مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
49
تفسير مقتنيات الدرر
وفي الآية دليل على فساد قول المجبّرة حيث إنّه سبحانه أضاف التبديل إليهم وأوعدهم على التبديل بالعقوبة فلو لم يكن فعلهم لما استحقّوا العقوبة والمراد أنّ حال منافقي قومك وتحريفهم كحال من قبلك من المجرمين . قوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّه ُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) . نزلت الآية في رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين مثل عبد اللَّه بن مسعود وعمّار وبلال ويقولون : لو كان محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله نبيّا لاتّبعه أشرافنا . وقيل : نزلت في عبد اللَّه بن ابيّ وأصحابه يسخرون من ضعفاء المؤمنين . وقيل : نزلت في رؤساء اليهود سخروا من فقراء المهاجرين . ولا مانع من نزولها في جميعهم فبيّن سبحانه أنّ عدول هؤلاء عن الإيمان إنّما هو لإيثارهم الحياة الدنيا فقال : * ( [ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ] ) * وفيه قولان : أحدهما أنّ الشيطان زيّنها لهم وقوّى دواعيهم وحسّن لهم فعل القبيح ، وأمّا اللَّه لا يجوز أن يكون المزيّن لهم إيّاها لأنّه أمرهم بالزهد فيها وقال : إنّها متاع الغرور ، وقال : متاع قليل . والآخر أنّ المزيّن هو اللَّه بأن خلق فيها الأشياء المحبوبة من حيث الخلق والإيجاد وبما خلق لهم من الشهوة وإنّما كان كذلك لأنّ التكليف لا يتمّ إلَّا مع الشهوة وما من شيء من القبائح إلَّا وهو سبحانه منعه واستناده إلى اللَّه يكون بهذا العنوان إذ لا يكلَّف الإنسان إلى شيء تتوق نفسه إليه ويدعى إلى شيء تنفر عنه نفسه ويزجر منه . وذكّر الفعل مع أنّ الحياة مؤنّث لأنّها غير حقيقيّ وهو بمعنى العيش والبقاء * ( [ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ] ) * أي يستهزئون بالفقراء . * ( [ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ] ) * أي الَّذين اجتنبوا الكفر فوق الكفّار في الدرجات وتمتّعهم بنعيم الآخرة أكثر من استمتاع هؤلاء في الآخرة وحالهم فوق هؤلاء الكفّار لأنّهم في علَّيّين وهؤلاء في سجّين كقوله : « أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا » « 1 » وقيل : المعنى أنّ حال المؤمنين في الاستهزاء بالكفّار والضحك منهم في الآخرة فوق حال هؤلاء في الدنيا مثل قوله : « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ » « 2 » » لأنّهم في أوج الكرامة وهم في
--> ( 1 ) الفرقان : 24 . ( 2 ) المطففين : 34 .